قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29] ، في هذه الآية جملة من المعاني، منها: أن الأصل في التجارة الحل، فالمعاملات التجارية بين الناس الأصل فيها الحل؛ لأن الله سبحانه وتعالى استثناها من الأكل المحرم، وأطلق الاستثناء في ذلك ولم يقيده إلا بالتراضي، فدل على أن كل معاملة تجارية تكون بين اثنين أو بين جماعة فإن الأصل في ذلك الحل وأن التحريم في ذلك عارض، وهذا من مواضع الكلام عند الفقهاء في الأصل في العقود: هل الأصل فيها الحل أو الأصل فيها التحريم؟ المشهور في مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن الأصل في العقود الحل، وهذا الذي يعضده ظواهر الأدلة من الكتاب والسنة.
سبب اقتصار النهي عن أكل الأموال بالباطل على الغصب والإكراه دون ذكر الربا وغيره من العقود المحرمة
قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29] ، هنا ذكر التراضي، وما ذكر ما عداه من الأمور المحرمة التي ربما تتلبس بالتجارة، وذلك كالربا والجهالة والغرر وغير ذلك. فنقول: إن الاستثناء في قوله: (( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) )، إنما هو استثناء للأكل بالإكراه، قال: لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29] ، وأما ما يتعلق بالتجارة التي تكون بين المتبايعين بالأمر المحرم فهي ليست داخلة في أصل النهي أصلًا حتى تستثنى؛ لأن أصل النهي هنا هو أكل أموال الناس بالباطل بالإكراه والغصب والسلب وغير ذلك، قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29] .