وأما يتعلق بالعقود المحرمة فهي مبينة في غير هذا الموضع، وتقدم معنا في سورة البقرة الكلام على مسائل الربا، والإشارة على أحكام القمار والميسر، وهي أبواب الجهالة، وكذلك تقدم الإشارة إلى صورها، وأن الله سبحانه وتعالى إنما حرم من المعاملات صنفين: الصنف الأول: الربا. الصنف الثاني: الجهالة، وهو القمار والميسر، ويدخل فيه كل بيع دخلته جهالة وغرر. وما عدا هذين فإنه جائز، وهو الذي طرأ عليه الاستثناء هنا في قوله جل وعلا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29] ، يعني: ما كان بتجارة ولو كانت صحيحة ولكنها بإكراه فإنها محرمة؛ لأنه أكل لأموال الناس بالباطل. وما لم يكن على سبيل الإكراه الظاهر، وهو الإكراه النفسي أو الإكراه العاطفي وما يسمى بالحياء، فإنه يحرم أموال الناس أيضًا، فلا يجوز للإنسان أن يأكل مال أخيه بالحياء، فيعلم أنه حيي فيأخذ ماله بحياء، إما هبة وهدية وعطية، وإما أن يأخذه ببيع بثمن بخس، أو يأخذه ببيع ولو كان بثمنه وهو لا يرغب بيعه، ما باعه إلا حياء منه. والعلماء عليهم رحمة الله يتفقون على أن ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء، كابن رجب وغيره، والحياء إذا ظهر من الإنسان وغلب به فإنه يبطل البيع إذا قام الدليل عليه، ولو كانت صورة البيع الظاهرة صحيحة، فلم يكن ثمة غبن ولا غش، وظهر في ذلك التعاقد الظاهر فإن ظهور ذلك موجب لإمضاء البيع. فإذا ظهرت علة الحياء فيه لجملة من القرائن فإنه يجوز للحاكم حينئذ أن يفسخ البيع، وذلك كأن يستدر الإنسان عاطفة أحد أو حياءه أمام الناس ليبيعه داره أو مركبته أو بستانه أو يبيعه ثيابه، أو يعطيه مالًا، فأعطاه حياءً من الناس ولو كان وحده ما أعطاه ذلك المال، فيقال: إن هذا محرم، وقد أخذ بنوع من الإكراه الباطن. ونستطيع أن نقول: إن الإكراه على نوعين: إكراه ظاهر، وإكراه باطن.