فأما بالنسبة لحركة المصلي في صلاته لأمرٍ من غير الصلاة، معلوم أن الله عز وجل إنما أمر بالإنصات والقنوت في الصلاة لأجل الخشوع والسكينة، حتى لا يخرج الإنسان الصلاة عن وقارها وسمتها، فإذا قلنا بهذا: فهل الحركة في الصلاة تأخذ حكم الكلام؟ نقول: إن الحركة في الصلاة لا تأخذ حكم الكلام من جهة الأصل، باعتبار أن الكلام إذا تكلم المصلي متعمدًا فإن صلاته باطلة، ولو كانت كلمة واحدة فتبطل بذلك صلاته، فلو نادى رجلًا: أن هلم إلي، أو اذهب، أو غير ذلك، بطلت صلاته، وأما بالنسبة للحركة فلا تبطل بمثل هذا المقدار، كأن يشير الإنسان بيده أو نحو ذلك، أو يشير إلى السماء كما جاء في حديث عائشة في صلاة الكسوف، فنقول: إن هذا لا تبطل به الصلاة، ولكن ما هو المقدار في هذا؟ نقول: الحركة في الصلاة جائزة إذا كانت لحاجة ولا تذهب جوهر الصلاة من جهة الطمأنينة والخشوع، والأدلة على ذلك كثيرة، سواءً كان ذلك في المرفوع أو الموقوف، منها: ما جاء في حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اقتلوا الأسودين في الصلاة) ، وهذا دليل على جواز قتل الحيات والعقارب وما يؤذي الإنسان، ولو كان في ذلك حركة، ومعلوم أن قتل الإنسان للحية والعقرب يلزم من ذلك حركة وذهاب وتحرك بجسمه كله أو ربما يلزم من ذلك شيء من الانحراف اليسير، فهذا لا يضر، لمصلحة الصلاة. وكذلك جاء عند أبي داود من حديث عائشة عليها رضوان الله، أنها استفتحت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الباب وهو في صلاة ففتح لها، وجاء في ذلك جملة من الأحاديث الموقوفة، نقول: هذه في الأشياء العارضة اليسيرة التي لا تبطل أصل الطمأنينة ولا الخشوع، فإن ذلك لا ينافي أصل الصلاة، ولا القنوت فيها، وحينئذٍ يقال بجوازه.