وهنا في زكريا الله سبحانه وتعالى ذكر الكفالة فيه فقال: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران:37] ، وثمة قراءتان في هذا، كفلها بالتخفيف وهذه قراءة أهل الحجار: مكة والمدينة، وقراءة البصريين، وكفَّلها بالتشديد وهي قراءة الكوفيين وبعض أهل المدينة: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران:37] ، والكفالة هنا إنما هي بسبب امرأة زكريا، وإنما ذكر الله عز وجل الكفالة لزكريا وباسمه؛ لأن زكريا يكفل زوجته، وزوجته تكفل مريم فكفالة الجميع إنما هي في زكريا، وهذا فيه دليل على القوامة، فلما استحق زكريا كفالة مريم لأجل زوجته وزوجته يكفلها زكريا، جعل الله عز وجل كفالة الجميع في زكريا، والكفالة في زكريا هنا إنما كانت بالاستهام وهي الاقتراع، والله سبحانه وتعالى يسر السبيل أن تكون لزكريا، لمقامه في قومه، ولنبوته، وسيادته فيهم، وكذلك يهيئ الله عز وجل أمر مريم تثبيتًا وتقوية، لأنها ستجد شدة قدرها الله عز وجل عليها، وذلك من إنجابها لعيسى بلا زوج، وما في ذلك من شدة، وتحتاج إلى قوة عزيمة وتعبد لله سبحانه وتعالى وصبر، ولا يكون ذلك إلا في من نشأت في كنف نبي بعد عون الله عز وجل وتثبيته.
وفي قوله سبحانه وتعالى: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران:37] ، هذا فيه إشارة إلى عظم التربية في البيوت الصالحة وأثرها، ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى على أم مريم و مريم، أن جعل الكفالة في بيت زكريا، فترى أمر الصلاح والديانة والتعبد لله عز وجل، ولا ترى من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى والخروج عن حدوده شيئًا، لأن المولود يتطبع على ما يرى في بيت تربيته من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى.