ومن قال: إن هذه الآية منسوخة بما تقدم من جواز الخلطة بأموالهم، فحينئذ يقال: إن الأمر بذلك كان ابتداءً، فلهم أن يأخذوا من أموالهم ما شاءوا إذا كان ذلك لا يفسد أصل المال. ولكن نقول: إن هذه الآية سواءً كانت محكمةً أو منسوخة فإنه لا يمكن أن يقال بأن الشريعة ابتداءً أمرت بإعطاء أصحاب السفه الذين لا يحسنون تدبير الأموال أن يتصرفوا فيها، ولكن ربما المراد هو التوسع في ذلك، ثم ضبط هذا الأمر.
وفي قول الله جل وعلا: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء:2] ، يحمل هذا على عدة معان ومن هذه المعاني: أي: لا تأخذوا الحسن من أموالهم فتجعلوه في أموالكم, وتستبدلوا السيئ من أموالكم وتجعلوه في أموالهم، وهذا عند المخالطة بالأموال، ويظهر ذلك بالدنانير الزيف والصحيحة, وعند البهائم الجيدة السليمة والرديئة المريضة، أو في الثمار الحسنة التامة، أو الفاسدة، أو غير ذلك، فأمر الله عز وجل بعدم خلط الرديء البين، ولكن عند الاشتباه والاختلاط إذا اختلطت الأموال ولم يكن ثمة تمييز، فلا يجحف الإنسان في حق نفسه, فتكون القسمة حينئذ بالتساوي، فإذا خالطت مال اليتيم بمالك فوجدت أن في مجموع المال زيفًا فيشطر الزيف والصحيح ويقسم بالنسبة والتناسب بمقدار ذلك، ويكون ذلك من الإنصاف.