والحالة الأولى إذا عرفها أو عرَّفَه أحد بدقة فعليه أن يصلي صوبها ولا يصلي إلى غيرها مع انحراف يسير ولو كان إلى جهتها؛ فمثلًا إذا قيل له إنها على درجة تسعين ونحو ذلك ثم انحرف شيئًا يسيرًا وهو يعلم أن التصويب على ذلك, نقول: إنه ينبغي له أن يصوب ولا ينحرف ولو كان على جهتها, وإنما في قوله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) , توسعة ابتداءً لا في حال المعرفة, ومن عرفها صوبًا ولو كان بعيدًا فإنه ينبغي أن يصوب عليها كحال من يعاينها, وينبغي ألا يشدد الناس إذا وجد في بعض المساجد في القرى أو المدن ونحو ذلك انحرافًا يسير عن القبلة, بل يبقي الأمر على ما هو عليه, والتشديد بهدم المساجد وحرف القبلة ونحو ذلك لوجود انحراف يسير هذا فيما أرى أنه مخالف للسنة وعمل السلف, لقوله هنا: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) , فهو نظير قوله: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) , أي: أن الأمر في الضبط بالحساب ليس مطلوبًا, وإنما جاء الأمر للتيسير؛ لأنه ما كل أحد يستطيع أن يوجد البوصلة, ويستطيع أن يتعلم بالنجوم ونحو ذلك, فيترك الناس على الجهة, إلا في حال انتفاء الجهة فإنه حينئذ يستعمل آلات الحساب والضبط بما يسمى بالبوصلة, أو تحديد الجهات بمعرفة النجوم والأفلاك, فإن هذا من الأمور الواجبة حينئذ.
وأما الصلاة إلى غير القبلة للجاهل أو الناسي فصلاته صحيحة على قول جماهير العلماء, وهذا قد جاء عن جماعة من السلف, وهذا نظير مسألة في الصيام وهي: أفطر وهو يظن أن الشمس قد غربت ثم بان ظهورها, والمسألة أيضًا فيها خلاف.
أما بالنسبة لمن أراد أن يصلي النافلة إلى غير القبلة, فنقول: له ذلك ولو لم يستقبلها ابتداءً؛ كالإنسان يكون على راحلته, على السيارة, أو على الطيارة, أو نحو ذلك, فأراد أن يصلي نقول: صل كيفما شئت في النافلة فالأمر في ذلك سواء, وهذا في حال السفر.