وهنا ذكر الله سبحانه وتعالى الحولين: هل هي على سبيل الوجوب أو لبيان الأقصى؟ هي على بيان أقصى أجل الرضاع، وذلك لما ذكر الله عز وجل من تقييد واستثناء أن للوالدين أن يصطلحا على إرضاع المولود دون ذلك ولكنه بقيد، والقيد في ذلك أن يكون ذلك عن تراضٍ بين الوالدين وبعد تشاور منهما، رخص الله جل وعلا بقصر الرضاع عن الحولين. وأما إذا لم يتصالحا ولم يتراضيا فإنه يجب في ذلك إتمام الحولين، وهذا فيه دفع للمشاحة والمضارة، المشاحة التي تكون بين الزوجين، وذلك لحظ واحدٍ منهما بالفطام، فيتضرر حينئذٍ الولد ويتضرر أحد الزوجين، فالمشاحة تكون بينهما والضرر يكون لواحد منهما وللمولود، فإن اتفقا فالغالب أن الاتفاق في ذلك لا يكون إلا لصالح المولود. وفي هذا أيضًا أن التشاور يكون بين الاثنين إذا كان الأمر متعديًا، ولهذا جاءت الشريعة بتأكيده، فحث الشارع على التشاور بين الاثنين للأمر المتعدي، فكلما تعدى الأمر استحق التشاور حتى لا يقع حينئذٍ الضرر المتعدي، ولهذا جعل الله عز وجل قصر الرضاع دون الحولين، ذلك أن يكون باتفاق وتراض بينهما، فإن اتفقا مضيا. وفي هذه الآية قد يقال بقول بعض الفقهاء بأن الشورى أحيانًا تكون ملزمة، وذلك إذا كان فيه ضرر متعدٍ بخلاف تحقيق المنفعة. ومعلوم أن الرضاع منعه يكون فيه ضرر بخلاف كمال المنفعة، فإن كمال المنفعة يكون بعد الحولين، ونفيه يكون فيه الضرر غالبًا إذا كان دون ذلك، فإذا تراضيا ففي ذلك دفع للمفسدة والضر الذي يلحق بالمولود، وما بعد ذلك فالأمر بالخيار من جهة الزوجة وهي المرضع، أن تزيد في ذلك ولا حرج عليها، إلا أنها من جهة النفقة من الزوج عليها، سواءً كانت مطلقةً أو غير مطلقة، ألا يزيد في نفقتها بخصوص الرضاع، لأن الشارع قيده بالحولين، فإذا أرادت أن تزيد على الحولين من تلقاء نفسها، فإنه لا حق لها على زوجها من جهة النفقة.