والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في الصحيح: (لا يسم بعضكم على سوم أخيه، ولا يبع بعضكم على بيع أخيه) ، ففرق بين السوم وبين البيع، وقد يتشابهان في الصيغة. ولكن نقول: إن السوم والبيع وإن تشابها في بعض الصور في أمر التعاقد إلا أن المعاطاة هي أعظم ظهورًا وجلاءً من التعاقد، وذلك أن الإنسان إذا خلى بين سلعته وبين المشتري، فإذا أعطاه الماء ثم قبض، وأعطاه أو أعطاه الوثيقة ثم قبض المال أو نحو ذلك، فإن هذا أقوى من العبارة التي يتعاقد فيها الإنسان، فربما تعاقد معه ولم يخل بينه وبين السلعة، بل لا يتم البيع إلا بتحقق القبض في بعض المعاملات، وذلك كالثمار الذي يمكن أن يحرز، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء.
وقوله سبحانه وتعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29] ، الرضا يكون في محل العقد، وإن تفرقا فإن عدم الرضا بعده ليس بمعتبر، وذلك لما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) ، فالرضا هنا ليس على إطلاقه في كل حال وفي كل زمان، وإنما هو في مجلس العقد، ما لم يكن ثمة شرط في غير مجلس العقد بزمان فإنه يقيد بذلك الزمان. وتقييده في ذلك كما جاء في حديث حكيم بن حزام وهو في الصحيح أيضًا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يخير أحدهما صاحبه) ، يعني يقول: أنت بالخيار إلى الغد، خذ هذه السلعة وأنت بالخيار إلى شهر، أو أنت بالخيار إلى شهرين، فإذا تراضيا بالمدة فطرأ عدم التراضي بعد ذلك المجلس، فإن عدم التراضي في ذلك معتبر، وحكمه حكم عدم التراضي في المجلس الأول. وإن تفرقا بعد تراض من غير شرط مضى البيع، وذلك أنه لا بد من إمضائه.