وفي قوله سبحانه وتعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282] ، استدل بهذا بعض الفقهاء على عدم إجزاء الشاهد الواحد مع اليمين، لأن الله سبحانه وتعالى حصر الشهادة من جهة العدد على الرجلين، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282] ، وما عدا ذلك لا يصار بهذا، وهذا ذهب إليه أبو حنيفة وجماعة من الفقهاء من أهل العراق، وهذا فيه نظر، فهذا ليس بالحصر، وإنما هو توجيه على مرتبة الكمال والضبط، ولهذا ذكر الله عز وجل الإشهاد، والكتابة، وهي من الأمور المندوبة عند جماهير العلماء، وليست مطلوبة على الفرض، وكذلك فإن الأدلة في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في جواز القضاء بالشاهد واليمين، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عباس في صحيح الإمام مسلم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين) ، وذهب إلى هذا الإمام أحمد رحمه الله، ومالك و الشافعي، وجمهور الفقهاء، وهو قول جماهير السلف عليهم رحمة الله، إلى جواز القضاء بالشاهد واليمين. والمراد بالشاهد واليمين أن الإنسان إذا لم يكن لديه بينة، فجاء بشاهد واحد، ثم يدلي بيمينه ليؤكد شهادة ذلك الشاهد، حينئذٍ لا يطلب من الخصم في ذلك اليمين حتى يبرأ، ولكن يطلب من المدعي البينة، وبينته في ذلك إما أن يأتي بالشهود، أو أن يقر صاحب الحق، فإذا لم يقر ولم يأت بالشهود، يأتي بشاهد ويحلف مع هذه اليمين، فإنها تعيد إليه الحق.
وقوله هنا: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة:282] ، بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى نهيه للكاتب أن يكتب كما علمه الله، كذلك نهى الشاهد أن يشهد إذا ما دعي إلى الشهادة لحفظ الحقوق، فإذا توفرت فيه الشروط وجب عليه أن يشهد، وهذا ظاهر في النهي.