ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في جهادهم في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ما انتصروا على المشركين بما لديهم من قوة عتاد وعدد، وإنما بقوة عزيمة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم نصره الله عز وجل بالرعب مسيرة شهر كامل، وهذا من الهزائم المعنوية لا الهزائم الحسية المادية، ولهذا تكثير سواد المسلمين في الجهاد يؤتي الله عز وجل من كثر سوادهم ولو لم يشارك معهم، وهذا فيه دليل على استحباب تكثير سواد المجاهدين في سبيل الله تقوية لهم وشدًا من عزائهم، وكسرًا لنفوس العدو. وعلى هذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى العاجزين منهم، وقد جاء في حديث أنس بن مالك وغيره أنه قال: رأيت ابن أم مكتوم وهو رجل أعمى ومعه درع يجره, فقيل له في ذلك قال: إني أكثر سواد المسلمين، وكان ذلك في القادسية. وجاء نحو ذلك عن سهل بن سعد فيما رواه ابن جرير الطبري في المعجم، وكذلك البخاري في كتابه التاريخ من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد أنه نفر وقيل له: وفيك قتال؟ وذلك لما كبر، فقال: لأكثر سواد المسلمين. وهذا فيه إشارة إلى أن من كثر سواد المسلمين وكان معذورًا يؤتيه الله عز وجل أجر المجاهد القادر.
وهنا في قول الله سبحانه وتعالى: قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا [آل عمران:167] ، يأخذ منه بعضهم تقسيم الجهاد إلى نوعين: جهاد دفع، وجهاد طلب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جعل حال الصحابة الذين كانوا معه في الصفوف الأولى، هؤلاء يطلبون المشركين ويطلبون الالتحام والمواجهة، وأن من تأخروا عنهم جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم في حال دفاع عند استحلال حريمهم أو تعدي المشركين للصفوف التي وراءهم، هكذا يكون مقامهم حينئذ مقام الدفع، ولا خلاف عند العلماء أن النوعين من الجهاد قد دل عليهم الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.