وهنا في قوله: لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] ، إشارة إلى أن أخذ الشيء اليسير من المرأة عن طريق العضل أن هذا محرم ولو كان شيئًا يسيرًا، فإذا أخذ دينارًا من ألف دينار عند عضلها حرم عليه ذلك الدينار، ولهذا قال الله جل وعلا: لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] ، فكيف بالكل وهو من أكل أموال الناس بالباطل؟
وهنا في قوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ [النساء:19] الفاحشة اختلف في معناها: ما الفاحشة التي تجيز للرجل أن يعضل زوجته حتى يأخذ ما أعطاها من مهرها؟ ذهب جماهير السلف إلى أن المراد بالفاحشة جميع أنواع ما يستقبح من الأقوال والأفعال، وأنه ليس المراد بذلك فاحشة الزنا وتقييدها بذلك. وهذا القول قد جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، وقال به سعيد بن جبير و قتادة وجماعة، وهذا هو الصواب: أن المراد بالفاحشة هنا خلاف المراد بالفاحشة في أول الآية، وهذا يؤيد أن الآية ليست منسوخة, بل هي محكمة خلافًا لقول عطاء والإمام الشافعي رحمه الله، وأن ما ذهب إليه عامة السلف وهو قول عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أن هذه الآية آية محكمة. والقول الثاني: أن الفاحشة هي الزنا، وهذا القول مروي عن أبي قلابة، و محمد بن سيرين، ولا أعلم من وافقهم من الصحابة ولا من التابعين على هذا التأويل، وقد انفرد في ذلك، والذي عليه عامة المفسرين على أن الفاحشة هي بذاءة اللسان, وذلك بالسب والتعيير أو التقبيح أو اللعن أو الشتم، أو ما فاق ذلك من أمور القبح، كأن تكون المرأة لا ترد يد لامس، أو تقع في شيء من الفاحشة من ضعف القلب والميل إلى غيره، فضلًا عن الوقوع مما هو أعظم من ذلك من الفاحشة المحرمة، فهي تبدأ من اللسان وتنتهي إلى الفاحشة المغلظة.