ثانيًا: من الأسباب التي تمنع عن الإنسان إدراك الصواب: العجلة, وإن كان مدركًا للحقيقة, أو يدركها وإن كان صاحب نظر حاد, أو صاحب عقل حاد, فإذا استعجل في الإدراك فإنه يفوته أشياء؛ ولهذا أمر الله عز وجل بالتأمل والتدبر لكتابه كثيرًا؛ لأن الحقيقة قد لا تتجلى للإنسان من أول نظرة, فيتأمل ويتأمل فيدرك الشيء, وهذا أمر يتجلى للإنسان كثيرًا, فالناظر للشيء بعجلة يدرك من الحقيقة بقدر عجلته فيها, فإذا توفر في عقله قوة الإدراك وفي بصره الحدة أدرك مع العجلة الشيء الكثير مما يختلف عن غيره, وإذا نظر فيها نظرة عابرة فإنه يفوته من الحقيقة ولو كان حاد البصر, لهذا الذي يتأمل على عجل يفوته ما يفوته, كالذي ينظر مثلًا في الهلال, أو ينظر في غريب قادم ونحو ذلك, يظنه رجلًا فيصبح امرأة؛ لأنه نظره كلمح البصر, بخلاف الذي دقق فيه وفيما حوله وفي مشيته ونحو ذلك, والذي ينظر أيضًا في الهلال ويميزه عن النجوم, وكذلك السحب, وكل ما يقع عليه نظر الإنسان, وهذا التأمل يعطي الإنسان حقيقة قاطعة؛ ولهذا نقول: إنه لا بد للإنسان في حال نظره في المدركات أن ينفي عن نفسه العوارض التي تمنعه من فهم الحقيقة, وذلك بالأمور المكتسبة, إذا كان قاصرًا في العلم أن يزيد من التعلم حتى يملك الحقيقة, وعليه أيضًا بالتأني, والتأمل, والتدبر, فإن ذلك مما يعين الإنسان.
وما يتعلق بآيات الأحكام صنف فيها العلماء كما تقدم الإشارة إليه, وثمة مصنفات كثيرة على المذاهب الأربعة, حيث صنف الإمام الشافعي رحمه الله في تفسير آيات الأحكام, وصنف في ذلك من الحنابلة القاضي أبو يعلى، وكذلك في مذهب أبي حنيفة تفسير آيات الأحكام للجصاص, وكذلك صنف أبو بكر بن العربي في هذا, وكذلك القرطبي جمع شيئًا كثيرًا وافرًا في هذا.