ثم قال تعالى: فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193] ، قال بعض العلماء: إن هذه الآية متضمنة للمعنى السابق، وهو أن هذه الآية ليست لقتال الطلب وإنما هي لقتال الدفع، قالوا: والدلالة على ذلك، أن الله عز وجل قال: فَإِنِ انتَهَوْا [البقرة:192] ، يعني: من انتهى؟ فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193] ، يعني: إن انتهوا عن المقاتلة فلا تعتدي إلا على ظالم إن اعتدى عليك. والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه, فإذا وضعوا رماحهم في أعناقكم وجب عليكم أن تقاتلوا، وهذا استدل به بعض العلماء على أن هذه الآية ليست من قتال الطلب، وإنما قتال الطلب ذكره الله عز وجل في قوله تعالى وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [النساء:89] ، وأن هذه الآيات إنما هي آيات دفع، ولكن نقول: إن الله سبحانه وتعالى ذكر الانتهاء هنا فقال: فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193] ، نقول: إن الانتهاء لا ينبغي أن يحمل على معنى واحد، وهو امتناعهم عن القتال، ولكن نقول: إن انتهوا عن معاندتهم فأعطوا الجزية فإنهم ليسوا بمعتدين، ويكون حينئذ أمر القتال محكم في هذه الآية على أنه من قتال الطلب لا من قتال الدفع، ومن حمل الانتهاء هنا على المعنى السابق في قول الله عز وجل: فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:192] ، فإنه يجعله في قتال الدفع لا في قتال الطلب. والذي يظهر والله أعلم أن هذه الآية إنما هي في قتال الطلب لا في قتال الدفع.