شهرين لآخذه منك لسفري أو نحو ذلك، فإنه يجب عليه أن يعيده بعينه، ولو ادعى حاجته في ذلك ففرق بين الدين وبين ما كان أمانة، فإن الله عز وجل أمر بأداء الأمانة إلى أهلها. والله سبحانه وتعالى إنما ذكر هذه الآية بعد أحكام الربا لوجود تعلق من أموال الناس فيهم، فبين الله سبحانه وتعالى أن لهم رءوس الأموال، وما عدا ذلك فإنه لا يجوز أن يستوفوه، وهذه رءوس الأموال هي التي أمر الله عز وجل بالإنظار فيها، والى هذا نص جماعة من العلماء كعبد الله بن عباس، و عطاء، و ابن جريج، و شريح القاضي، وغيرهم من المفسرين، أن الإنظار هنا إنما كان في الدين، وما كان من بقايا الربا من رءوس الأموال، وأما بالنسبة للأمانات فإن الآية ليست بداخلة في هذا الباب.
وقوله سبحانه وتعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:280] ذكر الله عز وجل الإنظار، وبعد أن ذكر إنظار المعسر ذكر الصدقة عليه، يعني: أن من المعسرين من لا يجد وفاءً، فإنه يستحب حينئذٍ أن يتصدق عليه بالمال، فهي معدودة من جملة الصدقات، ولكن هل تكون هذه الصدقة من جملة الصدقات الفاضلة أو دون ذلك، ومعلوم أن الصدقة التي يخرجها الإنسان من ماله، ثم يعطيها الفقير، فهذه أعظم أجرًا من الدين الذي يعطيه الإنسان أحدًا، ثم بعد ذلك يريد وفاءً، فإذا أيس منه أسقطه عنه، فإن إسقاط الدين صدقة عن الإنسان يأتي مرتبة بعد الصدقة التي يخرجها الإنسان؛ لأن الصدقة التي يخرجها الإنسان لا يرجو لها وفاءً، ولا تظهر فيها المنة، وهي أظهر بكسر شح النفوس، بخلاف الدين الذي يدفعه الإنسان لغيره ثم يقوم الإنسان بإسقاطه.