النوع الثاني من العقود والشرط: هي التي بين العباد فيما بينهم, بين الخلق, ووجه الاستدلال من هذه الآية على العقود بين العباد هو أن الله جل وعلا يقول في الحديث القدسي كما جاء في الصحيح: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا) , فاستدل بالعقد الذي بينه وبين عباده على العقد الذي بين العباد, فقاس الله سبحانه وتعالى على ما حرمه على نفسه من ظلمه لعباده, فدل على أن العقود بين العباد يجب فيها الوفاء كما يجب الوفاء بين الخالق والمخلوق مما أوجبه الله سبحانه وتعالى على نفسه، ولهذا نقول: إن في قول الله جل وعلا: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة:40] , دليل بقياس الأولى على وجوب الوفاء بالعهود بين العباد, وهذا من قياس الأولى الذي يقول به سائر المذاهب حتى الظاهرية؛ فيجب على العباد أن يفوا بالعهود والعقود فيما بينهم لظاهر هذه الآية. والعقود متنوعة في هذا الباب, منها ما يقع بين الأفراد كعقود النكاح، وعقود البيع والشراء, ومنها ما يقع بين جماعات وأفراد, وجماعات وجماعات؛ وذلك كالعهد والميثاق الذي يأخذه واحد على قوم, أو يأخذه قوم على قوم, مما يكون بين الدول والقبائل والشعوب والأمم, فإن هذا مما أمر الله عز وجل بالوفاء به, وقد مدح الله عز وجل الموفون بعهدهم إذا عاهدوا. ولهذا فالوفاء بالعقود واجب على العباد بجميع صوره وأنواعه.