وفي هذا أيضًا دليل على أن تطهير البيت والقيام به يقوم به أشرف الناس, ولهذا جعل الله جل وعلا الخطاب متوجهًا إلى إبراهيم أن يطهر البيت لهؤلاء, ولهذا نقول: إن خدمة بيوت الله من المساجد والمسجد الحرام, والمسجد النبوي, والمسجد الأقصى يقوم بها أشرف الخلق, وكذلك على السادة من الناس في زمانهم أن يعتوا بهذا الأمر, فإن الله جل وعلا حينما وجه الخطاب إلى إبراهيم أراد أن يقوم إبراهيم وإسماعيل بهذا الأمر وأن يوجها غيرهما إلى القيام به ويدخل في هذا ابتداءً أن يباشرا ذلك بنفسيهما, وإنما قدمنا الطهارة المعنوية على الطهارة الحسية؛ لأنها أول ما قام بها النبي صلى الله عليه وسلم عند دخوله مكة, فإنه طهر المسجد الحرام من الأصنام والأوثان مما كان باقيًا.
ثم قال تعالى: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125] , قال عبد الله بن عباس كما روى ابن أبي حاتم و ابن جرير قال: من صلى فهو راكع ساجد, وإنما أخر الركوع والسجود؛ لأن الغالب من أحوال الناس هو الطواف, ثم يليه بعد ذلك الاعتكاف؛ وهو: البقاء والمكث, ثم يليه بعد ذلك الصلاة, وإنما قيل بتقديم الطواف في هذا الموضع على قول بعضهم أن الله جل وعلا قدم أمر الطواف؛ لأن الطائف أحوج ما يكون لطهارة البيت؛ لأنه أقرب الناس إلى البيت وأدنى موضعًا ومكانًا, وهو أظهر في جانب التعبد من غيره من المصلي, الجالس, كذلك أيضًا لقربه من الكعبة كان أحوج إلى تطهير البيت، فكلما دنى الموضع من البيت كان أولى بالتطهير, وكلما بعد الإنسان كان أبعد, ولهذا نقول: إن الطائف أقرب إلى الكعبة, وأما بالنسبة للعاكف والمصلي فقد يكون أبعد عنها من الطائف, وهذا في الأغلب, وإنما قدم الركوع على السجود باعتبار أنه أولى, ويقدم محلًا، زمنًا في الصلاة، وإلا فالسجود هو أعظم من الركوع.