وفي قوله سبحانه وتعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] الزيغ المراد بذلك هي أمراض الشبهات، والأصل في الشبهات أنها تنشأ في القلوب بسبب الشهوات، ولو لم يكن في القلب ولا في النفوس شهوات ما نشأت الشبهات؛ لأن الإنسان يسعى إلى تحقيق وبناء الشبهة تحقيقًا وإشباعًا للشهوة في نفسه، ولو لم يكن في الإنسان شهوة السمع، ولا شهوة البصر، ولا شهوة السيادة والريادة والجاه، ولا شهوة الفرج، ولا شهوة المأكل، فإنه لا يكون في الناس شبهات، ولهذا إذا وجدت الشهوات فإنه ينشأ عليها الشبهات، فيأتون حينئذٍ يتذرعون، لأجل أن يصل إلى مأكل، إلى مشرب، إلى منكح، إلى ملبس، إلى جاه، أو سيادة، أو غير ذلك، ولكن لو كانت هذه الغايات معدومة ما وجدت حينئذٍ الشبهات، وهذا أمر ملموس حتى في الناس، فتجد أن الإنسان إذا كان قوي الشهوة ضعيف الإيمان، وجدت لديه الشبهة، وإذا كان ضعيف الشهوة ولو كان ضعيف الإيمان، تضعف لديه الشبهات، ولهذا الشبهات ضعيفة عند كبار السن، قوية عند الشباب؛ لقوة الشهوات، وإذا كبر الإنسان ومرض زالت الشهوات؛ فزالت الشبهات وتاب الإنسان منها، والسبب في ذلك أن الشهوة لدى الإنسان ضعيفة. وتجد الإنسان على فكر وعلى شبهة، فإذا كبر سنه وقرب من الموت زالت الشهوة وضعفت حينئذٍ الشبهة، ولهذا فإن أكثر الذين يتوبون من الشهوات التي توطنت في قلوبهم إنما يتوبون بعد زوال الشهوات، ويظهر هذا في أمرين: الأمر الأول: في كبر السن والهرم. الثاني: في المرض والسقم الذي لا يرجى برؤه. فإذا كان الإنسان صاحب شبهات بنيت على شهوات، ثم أصيب بمرض خطير لا يرجى برؤه فإنه يتوب مما كان عليه من آراء؛ لأن قاعدة الشبهات هي الشهوات، فزالت تلك القاعدة، فحينئذٍ انهار ما عليها، وهذا أمر معلوم في كثير من أرباب الآراء من أهل الشبهات والشهوات.