وفي قول الله جل وعلا هنا: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216] ، المراد بالكره وفي قراءة: الكَره، والمراد بذلك هو نفرة الطبع البشرية، وذلك إما أن يكون حسًا، وإما أن يكون معنى، وذلك في مسائل المعنى أن الإنسان ينفر مثلًا من العبارات أو الكلام السيء أو نحو ذلك مما يسمعه فتنفر طبعه فيكره ذلك، وكذلك أيضًا ما كان من أمور الحس ينفر الإنسان مما يلحقه من أذى، وذلك من الجراحة وكذلك اللطم أو الضرب أو نحو ذلك من الأمور الحسية فيكرهها، فيكون ثمة الكره على حالين في مثل هذا من جهة رجوعه إلى الطبع البشرية: وذلك كره معنوي، وكره حسي، وأما بالنسبة لمعناه العام فهو كالمحبة، المحبة والكره هي على نوعين: كره فطري، وكره شرعي، ويأتي الكلام على ذلك، والكره هنا في قوله: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216] ، أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أنه فرض القتال على المؤمنين وهو يعلم أن النفوس تكره، وفي هذا دفع لما يحتج به بعض الناس من حجج النفس والعقل على الشريعة، وكذلك أيضًا فيه دفع لما يظنه ويتوهمه الناس أن الفطرة وكذلك أيضًا الطبع البشري والعقل والنظرة المادية حكم على الشريعة وهذا لا شك أنه ضلال، وذلك فرق بين أهل السنة والمعتزلة في هذا الباب الذين يتأثرون بالمدرسة العقلية في مسألة حتمية السبب، وذلك أنهم يقولون: إن النظر إلى الأسباب إنما مرده إلى العقل، فكل سبب له سبب حتى يرجع ذلك إلى السبب الأول وهو الخالق سبحانه وتعالى، وهذا النظرية هي نظرية قديمة مع إيمان أرسطو بوجود خالق إلا أنه يجعل أن الله عز وجل جعل أسبابًا وهي المرد والمحك، لا يوجد فرض عليها، وإنما هي تفرض إرادتها في الكون، فالإنسان ينظر ويدرك في الأسباب ثم يقدمها على غيرها، جرى على هذه المدرسة من العقلانيين المدرسة العقلانية، وهي مدرسة المشائين وذلك كابن سينا و الفارابي و الكندي وغيرهم من الذين سلكوا هذا