وإذا قصد الإنسان الخلط بين هذا وهذا، فخلط الخبيث بالطيب كخلط الرديء بالحسن، وأكل أموال اليتامى من أعظم أكل المال الحرام، بل قال بعض العلماء: إن أكل مال اليتيم أعظم من أكل الربا، قالوا: والعلة في ذلك إنما حرم الله عز وجل الربا وشدد فيه؛ لأن فيه أكلًا لمال الضعيف, ولا أضعف من اليتيم. ثم إن أكل الربا يكون بتحايل، وأكل مال اليتيم يكون بلا حيلة, فيأخذه استغفالًا واستغلالًا لضعفه وجهله وعدم قدرته وغبنه في ذلك, فهذا أظهر في التحريم، ويظهر التحريم في ذلك أن الربا يكون برضا الطرفين، وأما بالنسبة لأكل مال اليتيم فيكون بغير رضاه لو علم، وأما بالنسبة للربا فيتراضى الطرفان، ومع تراضي الطرفين شدد الله عز وجل في ذلك، وإذا أخذ المال من غير تراض كحال المغبون أو الضعيف أو غير القادر كاليتيم، فإن التحريم في ذلك يكون أظهر وأعظم، وتعظم الحرمة في ذلك إذا جوزه الإنسان لنفسه؛ لأنه تضمن تشريعًا للمال الحرام وجعله في حكم المال الحرام. وعلى هذا يمكن أن تجرى أدلة أكل الربا على أكل مال اليتيم، ويأتي التغليظ في ذلك في هذه السورة؛ كما في قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10] ، يأتي الكلام عليه في موضعه.
وفي قول الله عز وجل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2] ، الحوب: هو الإثم والجرم. وقيل: إن العرب لا تسمي الحوب إلا ما كان عظيمًا من عظائم الأمور، فعلى هذا القول يكون الحوب هو رديف للمهلك والموبق، وهذا نظير ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، يعني: المهلكات، كما تسمى عظائم الأعمال من الطاعات: منجيات، كذلك عظائم الأعمال من المحرمات مهلكات.