وهنا قيد الأكل بالظلم: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء:10] ، دليل على جواز الأكل من مال اليتيم بغير ظلم، وهذا في الفقير الذي يلي أمر اليتيم, وهو يجد كفاية من مال نفسه، فيأكل من مال اليتيم بالمعروف من غير إجحاف وإضرار. وإذا كان مال اليتيم قليلًا فإذا تقوت أو تمول منه الولي والوصي على اليتيم أتلفه وأضعفه, فهل يقال حينئذ بأنه يأكل منه ولو أتلفه؟ فيقال حينئذ: الأظهر أن الولاية في ذلك تتحول منه إلى غيره ممن يؤدي واجب الولاية من ذوي أرحامه أو سائر قراباته من غير ذوي الأرحام، أو من يقوم فيهم من المسلمين ممن يؤدي تلك الأمانة. وإذا لم يوجد إلا هو ممن يرعاه أو يقوم بشأنه أو يؤدي ما يؤديه من كفالة، فيقال حينئذ: إذا كان فقيرًا فإنه يأكل منه ولو أتى على ماله إذا كان قليلًا، فإن رعايته إذا احتاجت إلى مال اليتيم فيؤخذ من مال اليتيم إلى من قام عليه من الأولياء والأوصياء وغيرهم.
وقول الله جل وعلا: إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء:10] ، دليل على أن أكل مال اليتيم من كبائر الذنوب أو من أكبر الكبائر. وتقدم الإشارة إلى أن جنس أكل مال اليتيم أعظم عند الله عز وجل من جنس أكل مال الربا. وأيضًا: في هذا إشارة وتأكيد على ما تقدم، وكذلك أيضًا: أن الجزاء من جنس العمل، فكما يستمتع الإنسان ويتلذذ بأكل مال اليتيم في الدنيا، فإنه يعاقب أيضًا بذلك في الآخرة على هذا النحو, وذلك أنه يكون في بطنه نارًا، وهذا نظير ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم في (من يأكل في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم يوم القيامة) .والمراد بذلك الجرجرة هو ما يوجد من صوت الماء والأكل في بطن الإنسان عند شدة جوعه وعطشه، فيأكله عن نهم وحاجة, ويعقبه من ذلك ألمًا وعذابًا.