وفي هذه الآية إشارة إلى معنى عظيم جدًا: أن الإنسان لا يحرم الخير إلا بالذنب, لهذا الله سبحانه وتعالى لما ذكر من تولى من المسلمين عن النبي عليه الصلاة والسلام يوم أحد جعل الله عز وجل سبب ذلك استزلال الشيطان لهم في ما سبق من ذنوب ومعاص, قال: بـ مَا كَسَبُوا [آل عمران:155] , يعني: بما اقترفوا من ذنوب ومعاص. لهذا يثبت الله سبحانه وتعالى صاحب الطاعة، والمعصية تقيد الإنسان وتثقل كاهله حتى يضعف عند الإقدام, والانتكاسة بسبب معصية إما ظاهرة وإما باطنة, والمعاصي الباطنة أعظم عند الله عز وجل من المعاصي الظاهرة؛ لأن المعاصي الباطنة فيها تخصيص للخالق سبحانه وتعالى بالاستهانة, وأما في الظاهر فإنه يستهين بالخلق والخالق, وأما في الباطن فيعظم المخلوق ولا يعظم الخالق, وكأنه رفع المخلوق هيبة في قلبه على الخالق, وأما في العلن فقد جعل الخالق والمخلوق سواء, وفي السر رفع هيبة المخلوق على الخالق. ولهذا كانت ذنوب الخلوات أعظم عند الله عز وجل من ذنوب الجلوات, ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى لا يحرم عبده من أمور الخير إلا بسبب ذنب, فإذا انتكس الإنسان أو ارتد فبسبب ذنوب عاقبه الله سبحانه وتعالى بها, وفي هذا أيضًا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يعلم أن الله عز وجل إذا حرمه من عمل خير فليعلم أنه بسبب ذنب اقترفه فليبحث عن ذلك الذنب ليزيله؛ لأنه هو العائق, وإما بالتوبة والاستغفار ونحو ذلك, فإذا حرم من عمل خير، من سفرة الخير، أو من صحبة خير، أو من نفقة، أو غير ذلك, أو حيل بينه وبين عمل البر وحيل بينه وبينه فليعلم أن الله عز وجل حرمه إياه بسبب ذنب؛ فإن الله عز وجل لا يحرم عبده إذا اكتمل قصده وصلح ظاهره. والتولي يوم الزحف سيأتي معنا بأقسامه وأنواعه ومراتبه فيما نستقبل بإذن الله تعالى, ونرجئ الكلام عليه بتفصيله هناك.