ولهذا إذا جاء الزوج والزوجة عند القاضي وقال: إن النشوز مني وأريد أن أطلق أو نحو ذلك، وقالت: أريد أن أخرج هذا عوضًا عن طلاقه، يقال: إذا كانت المرأة تريد البقاء حرم عليه أن يأخذ ذلك المال؛ لأن هذا من العضل، ولكن إذا لم يشترط وبادر بالطلاق ثم أعطته المال فإن هذا المال خارج عن أمر الخلع؛ لأن من النساء من تريد حسن العهد، فتريد حسن العهد مع زوجها، فتقول: خذ هذا المال وإن طلقتني أنت، أو تريد أن تكون يدها العليا على زوجها، فتقول: خذ هذا المال. فنقول: إذا كان ذلك من غير مشارطة أو من غير عضل كان ذلك من جملة الهبة, وربما يحمل على قول الإمام مالك رحمه الله في رواية عبد الرحمن بن القاسم عنه, وهذا هو الأظهر أقرب من رد قول الإمام مالك رحمه الله وضربه بالأدلة الصحيحة الصريحة. وهنا في قوله سبحانه وتعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] ، هنا ذكر بعضًا يعني: هل التحريم في ذلك الشيء ولو كان يسيرًا, أم إشارة إلى دلالة المفهوم أن الرجل إذا أراد أن يخلع زوجته أنه يجوز له أن يأخذ ما دون المهر الذي أعطاها؟
تقدم معنا في سورة البقرة الإشارة إلى مسألة الخلع، إذا أراد الرجل أن يخالع زوجته فهل يجوز له أن يأخذ أكثر مما أعطاها من مهرها, فإذا أعطاها ألف دينار, وأراد أن يخالعها, فهل يجوز له أن يأخذ أكثر من الألف دينار أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك, وهذا هو قول المالكية والشافعية، وذهب إلى هذا جماعة من الفقهاء من الحنابلة إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ ما زاد على المهر الذي أعطاها، فإذا أعطاها مائة دينار فتراضيا أن يختلعا على ألفين أو ثلاثة أو نحو ذلك، فيقال بجواز هذا على قولهم.