الأمر الثاني: الوصية في الحرام، فإذا أوصى الإنسان في حرام؛ كأن يوصي الإنسان في ماله بقتل أو بخمر أو نحو ذلك فهذا من الجور والظلم، ولهذا يقال بعدم نفاذ الوصية وعدم انعقادها أصلًا، وذلك أن الإنسان لا وفاء له في نذر في معصية الله، فلا يجوز الوفاء في حال حياته ولا أداؤه في حال حياته, فكيف أن ينوب عنه غيره بعد وفاته؟
وفي قول الله جل وعلا: فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ [البقرة:182] ، إشارة إلى وجود شيء من النزاع، مما يدل على أن سبب الحيف هنا ليس تعمد الإنسان بالوصية بشيء محرم فقط, وإنما ما يقع فيه خلاف ولو كان في ذاته مباحًا، كأن يوصي الإنسان في أحد القرابات الذين لا يرثون فيقع نزاع بين اثنين على ذلك المال، فلا حرج على الإنسان أن يأتي مصلحًا بينهما طالبًا أن يسقط أحدهما حقه في الوصية لغيره، فهذا جائز؛ الله عز وجل ذكر هذه الآية بعد التبديل في قوله جل وعلا: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ [البقرة:181] ، ثم ذكر: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا [البقرة:182] ، يعني: أن الإنسان إذا خاف ميلًا من الإنسان فلا حرج عليه أن يقوم بالإصلاح؛ كأن يوصي الإنسان مثلًا بابن خالته أن يعطى مالًا، ويوجد ابن خالة آخر، ويقول: لماذا لم توص لي؟ توصي لفلان بألف ولا توصي لي ولو بدرهم؟ وتقوم الخصومة والنزاع بينهم، ولا يمكن الإصلاح إلا بإعطائه شيئًا، فلا حرج عليه، فهذا لا يسمى تبديلًا، وإنما هو صلح، وهذا رحمة بالخلق أن الله عز وجل ما جعل الوصية نافذة نفوذًا لا يجوز للإنسان أن يبدله بحال، وأنه لا يصوغ فيها الصلح، بل إن الله عز وجل حينما ذكر الصلح والعفو في القصاص قبل ذلك بآيات فإنه في أمر الوصية والمال من باب أولى أن يكون ذلك على سبيل التراضي، ولهذا قال الله جل وعلا في الآية السابقة في قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ [البقرة:178] ، يعني: أن الإنسان لا حرج عليه أن يعفو عن حقه