في قوله: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23] ، إشارة إلى قول عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وفي هذا أيضًا عفو عما مضى من المخالفة، وجبر أيضًا لما وقع فيه الناس مما لم يقطعوا بتحريمه، فإن نكاح زوجات الآباء مما لا تدل الفطرة دلالة تامة على تحريمه بخلاف نكاح الأمهات، والبنات، والأخوات، فإن الفطرة في ذلك تدل عليه دلالة تامة. ويقصر كلما تباعدن كنكاح العمات ونكاح الخالات فيضعف في ذلك دليل الفطرة، وكلما قربن فإن دلالة الفطرة في ذلك تقوى. وتقدم معنا الإشارة أنه إذا قوي دليل الفطرة ضعف دليل الشرعة، ومعنى هذا: أن الشريعة تكتفي بدلالة الفطرة على التحريم، لأن الله هو الذي طبع الناس، وهو الذي فطرهم، كما في قول الله جل وعلا: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] .
الموصوف بقوله: (إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلًا)
وقوله سبحانه وتعالى: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَة وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22] . هنا هل الاستثناء في قوله: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَة وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22] ، وصف المقت والفاحشة وسوء السبيل لوطء زوجات الآباء مما سلف، أو مما خلف مما علم بعد التحريم؟ ظاهر السياق أن الوصف في ذلك شامل لوطء زوجات الآباء بعد العلم بالتحريم؛ لأن هذا ما يناسب السياق؛ لأن السياق في سياق العفو عما مضى، فلا يوصف ما عفي عنه بالفحش وسوء السبيل والمقت، وقد عفا الله سبحانه وتعالى عنه، وإنما المراد بذلك أن من فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه، وبعض المفسرين قال: إنها شاملة للسابق واللاحق، ومنهم من قال: إن الوصف شامل للاحق وهو الأظهر.