وقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] , فيه إشارة إلى مشروعية المبادرة بالفطر؛ لأن أول الليل هو الذي يتحقق به الوصف, والأسماء في اللغة وكذلك في الشريعة لها أدنى ولها أعلى, لها أول ولها آخر, فالشريعة تعتني بأدنى الأسماء؛ ليتحقق في ذلك الوصف والتكليف, فإذا قال: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] , لا أن يستغرق الليل كاملًا وإنما لأدنى ما يتحقق عليه الوصف, وهذا شامل حتى في مسألة الشرب, حينما ينهى الشارع عن الشرب؛ الشرب ولو قليلًا, تحقق فيه الشرب, وإن كان مثلًا ناس يقولون: الشرب المعروف هو أن يشرب الإنسان كأسًا أو يأكل طعامًا, نقول: الأسماء إنما يؤخذ بأدناها, البعض يقول: العبرة بأعلى الأسماء, ولهذا بعض أهل الرأي يتجوزون في بعض المأكول, فيقول: إذا كان على قدر الحمصاء أو كان شيئًا يسيرًا فإن هذا لا يؤثر, وهذا من مواضع الأغلاط في سحب بعض القواعد اللغوية في غير موضعها لمخالفتها للوضع الشرعي. وقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] , تقدمت مسألة الإمساك معنا قبل ذلك وأحكامه, في قوله كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] , وأن المراد بذلك النهار, ويبينه في ذلك وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] , أنه دلالة ذلك أنه يجب عليهم أن يمسكوا.
ثم قال: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187] , ومباشرة المرأة للمعتكف محرم بالاتفاق, والمراد بالمباشرة الجماع, التي اتفق العلماء عليها واختلفوا فيما عدا الجماع.