وإذا قيل بالخذلان فكيف لا يذهب وهو نبي، ولو خذلوا فينتصر للحق؟ نقول: إن الهزيمة الظاهرة للنبي تختلف عن الهزيمة الظاهرة لغيره، فإن الناس يتأثرون بهزيمة الوجوه والرءوس بخلاف غيرهم، وهذا يؤثر على الأتباع بالردة والانتكاسة وغير ذلك، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [يونس:85] .يقول عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر كما روى ابن جرير الطبري وغيره معناه في قوله جل وعلا: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [يونس:85] ، وهذا على لسان قوم موسى، يعني: لا تسلط فرعون وقومه علينا فيغلبونا فتجعلنا فتنة لهم أنهم ما انتصروا علينا إلا للحق الذي عندهم، ولهذا الهزائم المادية لها أثر، وهذا مما ينبغي على أهل الجهاد ألا يقدموا على ثغر إلا وغلب على ظنهم القوة؛ لأن الهزيمة لها أثر، وكم يفتن المشركون، ويفتن من المؤمنين بهزيمة المسلمين أنهم لو كانوا على حق ما هزموا، ولهذا دعوا الله عز وجل وسألوه ألا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين، ومعنى هذا أنهم يفتنون لانتصارهم عليهم، فيقولون: ما انتصرنا عليهم إلا لحقنا بديننا. وهذا مما ينبغي أن يحترز الإنسان المجاهد في سبيل الله في مسائل القتال، وألا يقتحم ما يغلب على ظنه معه الهزيمة. ولهذا النبي لم يلحق بأولئك مع أنهم أرادوا وبينوا أنهم إنما يقاتلون لأنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، فبعث إليهم أميرًا ولم يذهب بنفسه، فيكون ذلك من جملة تلك العلل التي لم يحضر لذلك القتال ذلك النبي, والعلم عند الله سبحانه وتعالى.