ومن الأسباب أيضًا: أن النبي لديه من أمر أمته وإصلاح أحوال الناس وإبلاغ وحي الله سبحانه وتعالى للناس وإنذارهم ما هو أوسع دائرةً وأعظم تكليفًا من القتال مع طائفة من الطوائف في زمنه، فرأى أن التكليف عليه أعظم، ورأى أن بقاءه كذلك أولى من انصرافه معهم. وذلك يظهر في حال الأنبياء، وفي حال نبينا صلى الله عليه وسلم، قد ذكر غير واحد من المؤرخين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في زمانه أكثر من سبعين غزوة وسرية، شارك النبي صلى الله عليه وسلم في نحو عشرين منها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يشارك في البقية لمجموعة من العلل، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشفقًا على من تخلف في المدينة، لعجزهم أن يلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم إما أن يكونوا من العجزة ويودون اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم, وربما بعضهم تكلف، والاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام والاقتداء به يختلف عن الاقتداء بغيره، فيلحق في ذلك من المشقة للضعفاء والعاجزين وحماة الأعراض وغيره ذلك، فبقي النبي صلى الله عليه وسلم, ويظهر هذا التعليل كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما. ومن تلك العلل والأسباب في هذا: أن النبي إنما بعث إلى قومه أميرًا يقاتلون معه، ولم يذهب بنفسه مع كونهم يدفعون أنه غلب على ظنه أنهم يخذلونه مع كونهم من أهل الإيمان، وهذا ظاهر في قول الله سبحانه وتعالى: إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا [البقرة:246] ، غلب على ظنه أنهم ربما يخذلونه ويدعون التكليف الذي أوجب الله عز وجل عليهم فيرجعون.