وهنا في قول الله عز وجل: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ [البقرة:198] ، إشارة إلى أن الله عز وجل رفع الحرج عن عبده بأنه ينبغي عليه في مثل هذا الزمن أن ينشغل بالعبادة، فرفع الحرج عن غيرها، وهذا يفهم من ظاهر السياق، وأنه إذا احتاج إلى فضل الله عز وجل من ذلك فإن الله عز وجل أجاز وأباح له هذا، وإذا كان الإنسان لا يستطيع الحج إلا بالمضاربة والتجارة في الحج فإن ذلك يعتبر محمودًا ومستحبًا، وما ينشغل به الإنسان في مثل هذا الوقت أفضله الانشغال بالدعاء، وذلك لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح (أن النبي عليه الصلاة والسلام وقف يدعو بعرفة إلى غروب الشمس، حتى إذا سقطت الشمس دفع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المشعر الحرام) ، أي: أنه ينبغي للإنسان أن ينشغل بالدعاء انشغالًا تامًا، وألا يدفعه ويصرفه عن ذلك إلا ما لا بد له منه، ولهذا استعمل هنا في قوله: (لا جناح) ، يعني: أن الأصل في ذلك أن الإنسان ينشغل بما هو أولى، ولهذا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم في عرفة بعرفة، وكذلك عامة أصحابه لم يصوموا بعرفة؛ لأن الصيام مما يضعف قدرة الإنسان على القيام بالعبادة والاجتهاد فيها، وذلك أن الصيام يوم عرفة يكفر الله عز وجل به سنة، وهذا أجر، فالاجتهاد في الدعاء أعظم تكفيرًا من صيام ذلك اليوم، أي: أن الإنسان يسأل الله عز وجل المغفرة، والله عز وجل يطلع على أهل الموقف ويغفر لهم، فإذا تعرض الإنسان لله عز وجل تحقق له من الغفران أكثر مما يصومه الإنسان إذا كان في غير عرفة، ولهذا لم يحفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صام في وقوفه بعرفة، ولا كذلك أيضًا أصحابه عليهم رضوان الله تعالى إلا النذر اليسير، كما جاء عن عائشة عليها رضوان الله، كما جاء في الصحيح.