الإفاضة في لغة العرب هو: الرجوع إلى ما كان عليه الإنسان، أو إرجاع الشيء إلى ما كان عليه، فالإنسان يفيض الماء على شيء، ثم يرجعه إليه مرة أخرى، هذه إفاضة، وكأن الإنسان ذهب ورجع من طريقه، فذهب من المشعر الحرام إلى عرفة، ثم رجع من عرفة من طريقه، وفي هذا إشارة إلى أن طريق الإنسان ينبغي أن يكون على هذا النحو، فأصل الإفاضة هو أن يرجع الإنسان الشيء إلى ما كان عليه، ولهذا قال: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199] يعني: ينبغي عليكم يا قريش ومن كان على شيء من الجاهلية أن يفيض كما أفاض العرب من بقية الناس، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199] ، أي: اذهبوا إلى عرفة وارجعوا من عرفة إلى المشعر الحرام، وارجعوا من المشعر الحرام إلى منى كحال الناس.
في هذه الآية أن قريشًا قلة قليلة في الحجاج مع النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع؛ لأن هذه الآيات إنما كانت في حجة الوداع، والنبي عليه الصلاة والسلام سمى الحجاج الناس، والخطاب كأنه يتوجه إلى قلة، كحال الذي يأتيك ويسألك عن حكم فتقول: افعل كما يفعل الناس، يعني: أنهم أفراد معدودون، ولهذا الذين حجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة ألف، قال أبو زرعة: هم مائة وأربعة عشر ألفًا، وهذا عدد كثير، وإذا أراد الإنسان أن يحصي قريشًا وبطونها في ذلك الوقت يجد أنها لا تصل إلا إلى شيء يسير من ذلك، وربما كان ذلك دون العشر ممن حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا وجه الخطاب إليهم خطاب القلة، وجعل الناس هم الذين ينبغي للإنسان أن يسلك طريقهم.