والسؤال ابتداءً إنما وقع من المشركين، من كفار قريش، ولم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم جاءوا بأسيرين، وجاءوا أيضًا بما معهم من مال، فجعلوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدرًا في ذلك، وضربوا له سهمًا قبل أن يضرب الله عز وجل في ذلك الخمس لنبيه عليه الصلاة والسلام، وجاءوا في ذلك فرحين، فلما رأوا حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أثير عليهم في ذلك، أنزل الله عز وجل عليه عليه الصلاة والسلام قوله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [البقرة:217] ، يعني: عن حكم القتال في الشهر الحرام. وهنا حمل على الأشد، يعني: أنه لو كان القتال في ذلك كان في رجب وهو من الأشهر الحرم لو كان وقطع في رجب، فإن حكم الله عز وجل في ذلك باق وبين، وخلل ذلك عند كفار قريش أنهم أقاموا الوزن للزمن، وما أقاموا الوزن لمن أداره، وذلك أنهم أشركوا بالله عز وجل وعظموا حرمة الأشهر الحرم. فيقول الله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة:217] ، فبيّن الله سبحانه وتعالى أن القتال في الأشهر الحرم محرم، ولكن استنكر الله عز وجل على كفار قريش أنهم جهلوا مراتب الأشياء فوقعوا فيما هو أعظم من ذلك، مما أجاز للمسلمين أن يستبيحوا الحرمات.
ولهذا ينبغي أن نعلم أن الجهل على نوعين: النوع الأول: جهل حقيقة الشيء وحكمه. النوع الثاني: هو جهل مراتبه بالنسبة للحقائق.