والعلماء عليهم رحمة الله تعالى قد اختلفوا في ذلك: هل هذه الآية من قطعيات التحريم؟ أم هي من القرائن والإشارات؟ والإلماح برفع درجة مرتبة الخمر والميسر من الحل والإباحة إلى مرتبة المتشابه عندهم مما ينبغي للإنسان أن يجتنبه، وهذا ظاهر في حديث النعمان بن بشير كما في الصحيحين وغيرهما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات) ، نقل الشارع ذلك من الحلال المسكوت عنه؛ لأن السكوت عن بيان شيء من المأكول والمشروب يدخله في أصل الحل؛ لأن الأصل في المأكول والمشروب هو الحل. كذلك في المعاملات الأصل فيها الحل، فنقلها الله عز وجل من دائرة الحل إلى دائرة المتشابهات، فينفر منها أهل الورع كما ينفرون من الحرام، فأراد الله عز وجل أن يبين جواب ذلك السؤال في مسألتهم عن الإنفاق، وهو العفو، أي: ما زاد أو فضل من أموالكم فأنفقوه لله جل وعلا، وهذا فيه إجابة لبعض التساؤل لأنه ربما بعض الناس يخطر في باله خاصة في نزول تلك الآية، أنهم إنما يقولون: إنما نتعامل بالميسر بطيب نفس منا، وهذه العلة قد ترد في أذهان البعض، وكذلك فإننا ننفق ما فضل من أموالنا، ولا نفرط في قوت أبنائنا وبناتنا وأزواجنا، ومن أوجب الله عز وجل علينا النفقة، أراد الله عز وجل أن يبين أن ثمة أمرًا هو أولى من ذلك وهو الإنفاق، إذا كان لديكم فضلة مال في أوجه الخير في سبيل الله جل وعلا.
وذلك أن قوله سبحانه وتعالى: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة:219] ، العفو المراد به الفضل، كما جاء تفسير ذلك عن غير واحد، جاء عن عبد الله بن عباس كما رواه الحكم عن مقسم عن عبد الله بن عباس، وجاء عن قتادة وكذلك مجاهد وغيرهم من المفسرين، وهذا هو الأظهر والأشهر من أقوال المفسرين من السلف، أن المراد بالعفو هو ما فضل عن مال الإنسان وقدرته.