وإنما كان المسجد الحرام حرامًا؛ لإضافته لله جل وعلا، وذلك أنه حرم الله وبيت الله، وحرم الله وبيته إذا لم تتحقق فيه حقيقة التحريم وهي العبودية لله فإنه لا معنى لتحقق ذلك الاسم، ولهذا يجمع العلماء على أن الكافر إذا استولى على مكة أنه لو مكن المؤمنين من الدخول إليها عمرة وحجًا وسكنًا أن ولايته يجب أن تزول، وأن يقاتلونهم ولو مكن المسلمين من كل شيء، كما مكن المشركون النبي صلى الله عليه وسلم من دخول مكة, وأن ذلك أمرًا استثنائيًا لأمور عديدة يأتي الإشارة إلى شيء منها، ومنها أن الله سبحانه وتعالى حرم أن تكون مكة دار كفر بعد أن كانت دار إيمان، ولهذا لا هجرة بعد الفتح، ولو تولاها مشرك وأقام فيها أعلام المشركين فإنه حينئذ أصبحت دار كفر، ويجب على المؤمنين أن يهاجروا منها، وهذا لا يمكن أن يكون شرعيًا، بل يجب في ذلك المقاتلة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء؛ فحكاه القرطبي عن جماعة من العلماء؛ كمنداد من المالكية، وكذلك أيضًا حكاه بعض الفقهاء كالنووي عليه رحمة الله وغيرهم من أئمة الإسلام، وإذا لم تتحقق العبودية في مكة لله جل وعلا فإن المقاتلة في ذلك واجبة. وفي قول الله سبحانه وتعالى: حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة:191] ، أمر الله عز وجل بالمقاتلة، يعني: إذا قاتلوكم فقاتلوهم، يعني وجود الصفين، وأما في الآية السابقة فقال: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191] ، قيل: إن المراد في أول الآية، المراد بذلك هي على مشارف مكة قبل حدودها، وأما إذا كانوا فيها فإنهم لا يقاتَلون إلا إذا رفعوا السلاح، فإنه يجب على المؤمنين أن يقاتلوهم.