وفي هذا إشارة أيضًا إلى أن أعظم المأمورات ما أمر الله به ونهى عن ضده, ولهذا أمر بالإنفاق فقال: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] ، فآكد المأمورات هو أن يأمر الله عز وجل بشيء ثم ينهى عن ضده في ذات السياق, فهذا دليل على تأكيده, ثم يليه بعد ذلك ما أمر الله به ولم ينه عن ضده, ثم يليه ما نهى الله عنه ولم يأمر بضده, ثم بعد ذلك ما تركه النبي عليه الصلاة والسلام, ثم يكون ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمع بين الحالين, هذه كما تقدم في مسألة الأقوال, وقد جمع الله عز وجل هنا في مسألة الإنفاق فقال: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] ، وفي هذا أيضًا معنى أن الأمة إذا أنفقت في سبيل الله كان ذلك عزًا وتمكينًا، كما أن الهلاك في الحبس فإن في الإنفاق العز والتمكين, وإنما ذلت الأمة؛ لأنها عطلت أسباب الجهاد, ولم يكن للأمة طريق بيِّن, ولهذا قال: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:195] ، فسبيل الله حينئذ تعطل سلوكه بسبب أن الأمة قد عطلت هذا الباب. ثم قال: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] ، والإشارة هنا في قوله: (( وَأَحْسِنُوا ) )أي: أنه ينبغي للإنسان أن يستزيد ولو لم يتعطل ذلك الأمر وأن ينفق في هذا الباب زيادة, في هذا الجانب الإحسان, وهذا دليل على فضل النفقة في سبيل الله, ولو زاد ذلك فإنه من أعظم وجوه النفقة, وقوله هنا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] ، إشارة إلى عظم الجزاء, فالله مع المتقين حينئذ, ويحب المحسنين عند إحسانهم, وهذا عظيم منزلة، وإظهار محبة الله عز وجل لعباده, وكذلك أيضًا أن المحبة الحقيقية من الله عز وجل لعبده ومن العبد لله هو أن يمتثل الإنسان طاعة ربه سبحانه وتعالى.