ولكن يقال: هذا لا يجعل ذلك تعمدًا أو تقنينًا أن المرأة تتعمد أن يكون صفوفها بين الرجال, أو تتعمد أن تكون أمام الرجال, ولكن لو وجد ذلك أن هذا مما لا حرج فيه, لاختصاص المسجد الحرام, وكذلك ما يتعلق بقطع الصلاة أن المرأة لا تقطع الصلاة في ظاهر الآية في المسجد الحرام ولو مرت من بين يديه للمشقة, فإن الرجال والنساء يطوفون والرجل يصلي.
وهذا تظهر فيه المشقة في الأزمنة المتأخرة أكثر من غيرها, كان في الزمن الأول الناس يصلون صفًا مستقيمًا لا صفًا مستديرًا إلى نحو العقد التاسع, في الثمانين أو التسعين الهجري, ثم بدأت الصفوف مستديرة. وأول من فعل ذلك هو خالد بن عبد الله القسري كما ذكر ذلك الفاكهي في أخبار مكة. ومن لطائف الاستدلال ما استدل به عطاء على ذلك في قوله جل وعلا: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزمر:75] يستدل بأن الملائكة كانوا حول العرش حافين في الاستدارة, أيضًا الاستدارة من جهة الصفوف, فالثمانون سنة الأولى من الإسلام كانوا يصفون من جهة الباب, من جهة حجر إسماعيل من أقصاه إلى الباب, فإذا وصلوا إلى الباب عن صوب الكعبة بدأ الصف الثاني, ثم الثالث حتى يصلون إلى المسعى, ولا يحيطون بالكعبة. ثم لما كثر الناس وشق عليهم بدءوا بمسألة الاستدارة, ثم أصبحت أمرًا سائدًا, ويجعلون المنفرد يصلي في أي ناحية, وأما الجماعة فلا يصلون إلا من جهة الباب, ولهذا نقول: إن الصلاة من جهة الباب أفضل من الصلاة من غيره, لأنها فعل النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة, فإذا أراد المنفرد أن يصلي أو أراد جماعة نقول له: الأفضل في مثل هذا الموضع, ولهذا جعل الله عز وجل الصلاة لركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم, وهو من تلك الناحية كذلك, فيجمع بين الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام, وكذلك في أصحابه عليهم رضوان الله تعالى.