ثم يأتي الاستفصال من الملائكة: قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30] , هذا استفصال من الملائكة من الله سبحانه وتعالى وليس من الاستفهام الذي يتضمن الإنكار, وذلك أن الله جل وعلا أخبرهم عن ذلك, وهم يعلمون بذلك, وإنما أرادوا استفهامًا, وفي هذه الآية دليل على القياس, وعدم الأخذ به, فهو دليل على المسألتين, ففي قوله تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30] , معلوم أن الأرض عمرت قبل البشر بالجن, حيث أوجد الله عز وجل فيها الجن, وجاء ذلك تفسيرًا عن غير واحد من السلف, فجاء عن عبد الله بن عباس فيما رواه ابن جرير الطبري و ابن أبي حاتم عن الضحاك عن عبد الله بن عباس , قال: إن الجن كانوا في الأرض قبل ذلك, فكانوا يتخالفون فأفسدوا فيها. وجاء هذا أيضًا عن الحسن البصري, وجاء أيضًا عن أبي العالية رفيع بن مهران كما روى ابن أبي حاتم و ابن جرير الطبري من حديث ربيع عن أبي العالية رفيع بن مهران أنه قال: جعل الله عز وجل الجن في الأرض قبل بني آدم, فكان فيهم الملائكة فتقاتلوا فيما بينهم, يعني: الجن, والملائكة حينما سمعوا بوجود خلائف في الأرض فقالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30] , وإنما استفهامهم في ذلك هل يكونوا كحال الجن أم لا, وهذا دليل على صحة القياس, وأن القياس من الأمور المعتبرة؛ ولهذا الله عز وجل ما أنكر عليهم قياسهم وإنما ما أخذ الله عز وجل بالقياس, وهذا دليل على اعتبار القياس من جهة الأصل وعدم الأخذ به في بعض الأحيان, وعدم الأخذ به في ذلك لوجود مصلحة تقوى على العلة الجامعة بين الأصل والفرع.