أما بعد:
فأول آي اليوم قول الله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:217] ، هنا يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم القتال في الشهر الحرام، وأضمر الحكم، لأنه مفهوم من السياق، والأسئلة التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة، وأما ما ذكره القرآن منها فهو شيء يسير، وقد جاء عن عبد الله بن عباس كما روى الدارمي في كتابه السنن، وأبو يعلى في كتابه المسند من حديث سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: ما رأيت أحدًا مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسألوه إلا ثلاث عشرة مسألة، وهي في القرآن، والصحابة عليهم رضوان الله تعالى كانوا يقلون المسألة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب ذلك هو الاحتياط؛ لأنهم يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره السؤال؛ خشية أن ينزل تحريم عليه عليه الصلاة والسلام، وذلك رأفة بأمته ورحمة بها، فكانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيرًا، وربما فرحوا إذا جاء أحد من الآفاق، أو كان من الأعراب يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأل عن مسألة يريدونها، وإذا جاء أحد من الأعراب، أو أحد من الأباعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعلم من حال كراهة السؤال اجتمعوا عليه ليفقهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يجرؤ على سؤاله، وإنما ذكر الله عز وجل في كتابه من هذه المسائل، ولم يذكر جميعها، وذلك أنها أعلام، ومما تحتاج إليها الأمة، وذلك أن من المسائل ما هي مهمة في ذاتها، والعلم بها مستقر، ومن المسائل ما الحاجة إليها على سبيل الدوام أحوج من غيرها، وذلك أن الأحكام لها مراتب ومنازل، بخلاف منزلتها في ذاتها، لها منازل من جهة الديمومة والقوة، وكذلك الحكمة المستنبطة منها، مما يحتاج إليها سائر أصحاب العصر.