فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 1575

وينبغي أن نشير إلى أن أحكام الله سبحانه وتعالى إنما جعلها لتصلح بها البشرية جمعاء, لا أن يصلح بها فرد بعينه, وهذا أمر ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار؛ وذلك أن التشريعات والأحكام الموجودة حتى ما يؤمن به الخلق من الأحكام الوضعية ونحو ذلك, هذه الأحكام التي تنتشر عند الناس ويؤمن بها العقلاء من كل ملة, سواء كانوا على شيء من قبس الوحي أو كان ذلك بمجرد آرائهم, يؤمنون أن ما يضعونه من أحكام عامة وقوانين هي لصلاح العامة لا لصلاح الأفراد, لكن لما كانت الشريعة بإحكام رباني كانت متوجهة إلى العامة والخاصة, ولكن ما يتعلق بالأفراد ينبغي ألا ينظر إليه بخصوصه, فيرجع إلى أصل حكم الله جل وعلا, فينقض الحكم العام بأمر خاص؛ وذلك أن ما جعله الله عز وجل من عقائد، وما جعله من أفكار, إذا أردنا أن ننظر إليها نجد أن لها أعمارًا أكثر من أعمار البشر, فإن العقيدة إذا أسسها شخص ووضعها في الناس فإنه يموت وتبقى هذه العقيدة؛ ولهذا لما كان عقل الإنسان حينما يؤسس لعقيدة أو يؤسس لفكرة أو لقانون وضعي يؤسسه على ما يرى من حواسه من مسموع أو مبصر بحسب أحوال الطبيعة, وبهذا يجدد الناس في القوانين الوضعية زمنًا بعد زمن؛ وذلك لأن الذي وضع ذلك القانون قد وضعه لما يصلح به زمانه وعمره الذي قضاه الله عز وجل عليه, فجاء جيل فرأى أنه لا يصلح له؛ ولهذا كانت قوانين الوضع في البشر فاسدة؛ لأن الذي وضعها قاصر, ولكن الله جل وعلا نظر إلى أحوال البشر وإلى القرون نظرة واحدة أعظم من نظرة المقنن لقانونه الذي ينظر فيه ليومه, فجعل الله عز وجل صلاح البشرية بأحكامها للقرن الأول وما يليه إلى قيام الساعة؛ لهذا أمر الله سبحانه وتعالى بحكمه وحذر من مخالفة أمره, كما في قول الله عز وجل لنبيه: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49] , وهذا خطاب موجه إلى النبي, أي: لا تحكم بمجرد الرأي وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت