وقوله جل وعلا: الْمَشْرِقُ [البقرة:115] : هو مطلع الشمس, وكذلك مطلع القمر يسمى: مشرقًا, وهو مصدر؛ كقولنا: مسجد؛ الموضع الذي يسجد فيه, وكذلك المشرق: الموضع الذي تشرق فيه الشمس ويشرق فيه القمر, كذلك أيضًا المغرب: موضع غروب الشمس وغروب القمر؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى بين ملكه وتدبيره للمشارق والمغارب فقال: رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ [المعارج:40] , فإذا جاءت المشارق والمغارب على الجمع فهي مطالع الشمس ومطالع القمر المتعددة, ومعلوم أن مشرق الشمس يخرج في موضع ولا يخرج منه مرة أخرى حتى يأتي العام الذي يليه, فثمة درجات يسيرة, ويغرب في مقابلها كذلك على درجة يسيرة يعرفها أهل الفلك, فهذه هي المشارق, والمغارب هي التي تقابلها, فالله جل وعلا رب هذه المشارق ورب هذه المغارب.
وذكر الله جل وعلا هنا المشرق والمغرب بصيغة الإفراد مع أنه ذكرها في بعض الآي بصيغة الجمع: رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ [المعارج:40] والتثنية: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن:17] ؟ فالله جل وعلا سمى نفسه بأنه رب المشرقين والمغربين, ورب المشارق والمغارب, ورب المشرق والمغرب, فذكر المشارق والمغارب على صيغة الجمع في أبواب التعظيم له جل وعلا, المتضمنة للانقياد له جل وعلا بإثبات ربوبيته سبحانه وتعالى, ولهذا يعقبها الله جل وعلا بشيء من المعاني المتضمنة لكمال قدرته جل وعلا وكمال تدبيره؛ كقوله جل وعلا: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ [المعارج:40] , فالله سبحانه وتعالى بين أنه يقسم بنفسه وهو رب المشارق والمغارب على قدرته جل وعلا وتدبيره لهذا الكون.