جاء هذا عن عبد الله بن عباس كما روى ابن جرير الطبري من حديث العوفي عن عبد الله بن عباس , وجاء عن مسروق بن الأجدع , وجاء عن الحسن و قتادة , وكذلك عن مجاهد بن جبر وعن غيرهم من المفسرين، ولا خلاف عندهم في هذا المعنى. أما سبب النزول في ذلك عينًا أن الله عز وجل أنزلها على رجل بعينه، فالحديث في ذلك مرسل، وقد رواه الإمام مالك عن ثور بن زيد الديلي: (أن رجلًا طلق زوجته, فلما شارفت على انقضاء عدتها أرجعها, ثم أنزل عليها طلاقًا آخر كيما يطول أجلها, فأنزل الله عز وجل هذه الآية) , وذلك بدفع الضرر عن الزوجة، فإما أن يمسكها الزوج بمعروف، وإما أن يسرحها بمعروف.
في هذه الآية دلالة على مسألة من المسائل ويتكلم عليها بعض الفقهاء، وهي: مسألة إيقاع الطلاق على الزوجة في عدة طلقة ماضية, هل هذه الطلقة مما تقع شرعًا وتجوز أم لا؟ هذا موضع خلاف. كذلك إذا طلق الرجل زوجته وهي في عدة طلقة ماضية, هل تستأنف عدة جديدة أم لا بد من إرجاعها؟ الله عز وجل هنا بيَّن أن الرجل إذا طلق الزوجة فإما أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بمعروف, وهذين الأمرين من الله سبحانه وتعالى هي للتسريح, وللإمساك. ولكن الجاهليين يجعلون الطلاق الثاني لا ينزل إلا بعد رجعة، فهم يرجعونها ثم ينزلون الطلاق عليها مرة أخرى, مما يدل على أن الطلقة الثانية لا تعتبر عندهم إلا برجعة, ولو كانت تقع عليها لطلقها من غير إرجاع. قال بعض الفقهاء: في هذه الآية دليل على أن الطلقة إذا أنزلها الزوج على زوجته في عدة طلقة سابقة أنها لا تقع، ويستدلون بظاهر هذه الآية, قالوا: لأن الجاهليين لا يطلقون الزوجة بقصد الإضرار إلا بعد إرجاعها, يرجعونها ثم ينزلون عليها طلقة, وأما إذا كانت في عدة طلاق سابق فإنها ليست في عصمته، وإنما في عدتها ترقب انقضاء الأجل، إلا أن الله عز وجل جعل له فسحة بإرجاعها، فلا يقع عليها الطلاق.