وفي هذا الباب مسألة مهمة جدًا وهي تتعلق بمسائل الإيمان ومسائل التكفير أيضًا، وهي من المسائل الشائكة في كلام العلماء من المتقدمين أيضًا ومن المتأخرين. هنا لما ذكر الله جل وعلا النهي عن النكاح في قوله: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [النساء:22] ، ذكرنا أن النكاح هنا المراد به العقد، يعني: لا تعقدوا على زوجات آبائكم. ثم وصف الله ذلك العقد بقوله: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَة وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22] ، وما وصفه بالكفر، هل العقود المحرمة تدل على استباحتها حينئذ يكفر فاعلها أم لا؟ فإذا تعاقد اثنان على أمر محرم كأن يتعاقد ولي المرأة التي هي زوجة الأب والابن على تزويج زوجة الأب لابنه ويعلمان بالتحريم، فهل هذا استحلال أم لا؟ جاء عند الإمام أحمد رحمه الله في المسند وعند النسائي و ابن ماجه وغيرهم من حديث البراء بن عازب أنه قال: (رأيت عمي الحارثة بن عمرو وقد عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء أن يقتل رجلًا بنى بامرأة أبيه) ، فهنا النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقتل رجل بنى لا زنى، بنى يعني: أنه عقد عليها، قال: بنى بامرأة أبيه، والبناء بامرأة الأب عقد، فهل يلزم منه استحلال أم لا؟ جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه ليس استحلالًا وإنما هو زنًا. لعلنا نكمل هذه المسألة, وهي مسألة مهمة تحتاج إلى تفصيل في التعاقد على أمر محرم، هل يقتضي التحريم الاستحلال المعقود عليه, وحينئذ يلزم تكفير المتعاقدين أم لا, أم هذا فعل مجرد؟ وخلاف العلماء في ذلك. لعلنا نتكلم عليه بتفصيل وتدليل، وكلام الأئمة عليهم رحمة الله تعالى في المجلس السابق، ولا أريد الاختصار في هذه المسألة؛ لأنها مسألة مهمة جدًا، وينبني عليها مسائل التكفير لأعيان وأشخاص، وربما أنظمة ونحو ذلك، فهي تحتاج إلى تفصيل وبيان، نكملها بإذن الله تعالى في الدرس القادم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.