وقوله: وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] ، يعني: ينميها لصاحبها، فيجعله الله عز وجل يسعد ولو كان بمالٍ قليل من راحة البال وسكينة النفس والطمأنينة مما يشقي به أضعافًا مضاعفة غيره من الناس: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276] .
وقوله هنا سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278] ، هذا تأكيد لما تقدم بوجوب الإقلاع عن ذلك.
الجمع بين قوله تعالى: (فله ما سلف) وقوله: (وذروا ما بقي من الربا)
وقوله سبحانه وتعالى: مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة:278] ، هل هذا متضمن لقول الله جل وعلا: (ما سلف) ، الله سبحانه وتعالى يقول: (فله ما سلف) ، الآن يقول: (ذروا ما بقي من الربا) ؟ نقول: إن ما سلف على حالين: سالف مقبوض، قبضه الإنسان، تعامل بعقد ربوي ثم أخذ المال وانتهى من قبضه، انتهت المعاملة، فهذا على الأحوال السابقة، وسالف غير مقبوض، يعني: تم العقد، وثمة حق باقٍ، هذا السالف ليس بمقبوض، وَذَرُوا مَا بَقِيَ [البقرة:278] ذاك هو الباقي؛ لأن ثمة شيئًا تأخذه، فلا يجوز له أن يأخذ المتبقي مما لم يقبضه باتفاق العلماء، فإذا كان أعطى رجلًا بمائة وعشرين، وتم العقد، وأخذ خمسين منها، فلا يجوز له إلا أن يأخذ خمسين وفاء المائة، وما زاد عن ذلك حرم عليه، وهذا هو المقصود في قول الله عز وجل: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة:278] ، ويدخل في هذا من باب أولى ما ينشئه الإنسان مما بقي من تعاملاته، أو نياته، أو ما يعقده أيضًا مما يستقبل في أيام أو وعود، فإنه يحرم عليه أن يفي بها.