ولهذا لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد أن يخرجوا معه: قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ [آل عمران:167] ، وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لما استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ [التوبة:81] . ومعنى ذلك: أنه لو كان في غير حر كبرد لخرجنا. وكذلك أيضًا قال الجد بن قيس لما استحثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتال في غزوة تبوك قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ائذن لي ولا تفتني، أي: أني إذا لم يكن ثمة فتنة فإني خارج معك، فهذه أعذار لترك الحق لا لرده ظاهرًا. ولهذا الله سبحانه وتعالى ما بيَّن لرسوله صلى الله عليه وسلم كفرًا ظاهرًا، ولكن بين نفاقًا باطنًا، ولهذا حكم الله عز وجل عليهم أنهم هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ [آل عمران:167] وقربهم من ذلك، يعني: لا يتمحض الكفر في الظاهر، والنفاق في ذلك ظاهر، لأنهم يظهرون ما لا يبطنون، فيبطنون الرد كحال المشركين، ويظهرون الأعذار نفاقًا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعاملهم في الظاهر كمعاملة المسلمين.
وفي هذه الآية في قول الله سبحانه وتعالى: وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا [آل عمران:167] ، هنا ذكر القتال في سبيل الله وذكر الدفع, فجعل القتال في سبيل الله وما أضاف الدفع إلى سبيل الله، في هذا معان، منها: ما يذكره بعض الفقهاء من السلف والخلف إلى أن الدفع لا يشترط له نية، وأما قتال الطلب فهو الذي يشترط له النية، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح لما سئل قيل له: (الرجل يقاتل للمغنم, والرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) .