فهذا دليل على أن القتال في الطلب يجب فيه توفر النية، ومن قاتل بغير نية كمن يقاتل حمية أو شجاعة أو ليرى مكانه فميتته جاهلية، وهو من أول من تسعر بهم النار، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة. وأما قتال الدفع وهو أن يدفع الإنسان عن عرضه وماله ودمه ودينه عند إرادة أحد منه، فإنه لا يشترط من ذلك نية، فبمجرد وجود النية في الدفع عن حقه ذلك موجب لشرعية عمله، وهذا يتحقق فيه الشهادة ولو لم ينو، ولهذا أضاف الله عز وجل إلى القتال أن يكون في سبيل الله، وما أضاف الدفع إلى سبيله، باعتبار أن مجرد الدفع هو دفع عن حرمات يتحقق فيه أمر الله سبحانه وتعالى, ويعضد ذلك ويؤيده ما جاء في حديث سعيد بن زيد عند أبي داود وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه أو نفسه فهو شهيد) . وأصل هذا الحديث في الصحيح من غير ذكر أهله. وفي هذا أن الإنسان إذا قصد الدفع ولو لم يستحضر النية فإن أجره على الله عز وجل وقع، ولو لم يستحضر إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، وإنما استحضار إعلاء كلمة الله عز وجل يكون في جهاد الطلب لا في جهاد الدفع، ويؤيد هذا حديث قابوس بن أبي المخارق عن أبيه وهو في المسند والسنن وغيرها، وقد أشرنا إليه في عدة مواضع. وقول الله سبحانه وتعالى: قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا [آل عمران:167] ، الدفع هنا حمله المفسرون من السلف على أنه تكثير سواد المسلمين ولو لم يقاتل الإنسان ويحمل السلاح بيده، وهذا جاء تفسيره عن عبد الله بن عباس فيما رواه ابن المنذر في التفسير، وكذلك ابن جرير عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس قال: (كثروا المسلمين بسوادكم) .