وهذا من نظائرها: أن الله سبحانه وتعالى بدأ بحكم لم ينزل على أحد من جهة العقوبة، وإنما أنزله الله جل وعلا للنفوس حتى تستبشع هذا الفعل وتستعظم تلك العقوبة، ولو استثقلتها ثم قضى الله عز وجل بعد ذلك بحكم آخر فلم يلبث ذلك الحكم طويلًا حتى نسخ الله عز وجل حبس الزاني حتى الموت إلى التخفيف، إذا كانت بكرًا وكان بكرًا فالجلد مائة وتغريب عام، وإذا كان محصنًا فالتشديد في ذلك بالإتيان بأربعة شهداء أو البينة أو الحبل، فيكون في ذلك الرجم والجلد، وعلى خلاف عند العلماء في اقتران الجلد مع الرجم, وهي أقوال يأتي الكلام عليه بإذن الله عز وجل في سورة النور. وهذا نظير ذلك أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الفاحشة ذكر الله عز وجل الناسخ لها ولم يطل ذلك، بل ذكرنا أن هذه العقوبة لم تنزل على أحد، وإنما أراد الله عز وجل بها جملة من المنافع والمصالح والحكم الدقيقة, منها استبشاع هذا الجرم والتنفير منه، وكذلك استثقال الحكم ليتوطن على ما دونه بأنه لو ورد ما دونه لكان الاستثقال على مرتبة واحدة، فأراد المشرع الحكيم في ذلك التوطين.
ذكر الله سبحانه وتعالى أمر الفاحشة بعدما ذكر أمر المواريث، ذكر أمر المواريث وجعل آخر المواريث ما يتعلق بالصلة بين الزوجين من جهة الميراث، ثم ذكر الله عز وجل هذا الأمر الذي يكون بين أحد الزوجين وأمر آخر خارج الميثاق الذي جعله الله عز وجل بينهما، وهو أمر الفاحشة، وهل موجب لإسقاط الإرث كما كان بعض الجاهلية يفعلونه ويرون أن المرأة إذا وقعت في فاحشة أن ذلك مسقط للإرث وموجب للإضرار بها، فكان ذلك تسلسلًا حكيمًا في ترتيب معاني القرآن، فذكر الله سبحانه وتعالى أمر الفاحشة والعقوبة، وما ذكر الله جل وعلا أثر ذلك على الميراث.