المراد من هذا التأصيل كله: أن الله سبحانه وتعالى جعل ما يتعلق بمظالم العباد حقًا لهم، قضى الله فيه ألا يتدخل الله عز وجل وهو قادر سبحانه وتعالى لو أراد؛ لأن عباده جل وعلا خلق له ويتصرف فيهم كما شاء، قضى وحرم على نفسه جل وعلا ألا يعفو لأحد في حق أحدٍ إلا بإذنه، وهذا كمال العدل، ولهذا يقول الله جل وعلا كما في الحديث القدسي كما في الصحيح: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) ، يعني: أن الله عز وجل إذا كان ثمة مظلمة بين العباد لا يعفو عن الظالم، وإنما يطلب من المظلوم إن سامح وإلا الأصل في ذلك العقوبة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها، وليقتصن الله) ، يعني: لا بد فيها من القصاص، الإنسان يتوب من الزنا، يتوب من شرب الخمر، يتوب من تقصيره وتفريطه في الصلوات، في ترك الصيام، في ترك الزكاة، حقوق بينه وبين الله، ويعفو الله عز وجل عنها، لا يسأل مخلوق عنها، أما ما كان من أمور الآدميين فالله يحيله إلى المخلوق، والمخلوقون في ذلك يريدون حقوقهم ولو كان مثقال ذرة، يريد أن ينجو؛ لأنه لا يعلم ما في الكفتين، يريد أن يستكثر، فيأخذ من كل أحدٍ ما استطاع أن يأخذ ولو كان من أمه وأبيه، وهذا ما يغفل عنه كثير من الناس، يظنون أنه إذا استغفر لمظلمة أو مالٍ أخذها من أحد من الناس ظن أن الله غفر له بتلك التوبة، لو استغفر الإنسان مدى الدهر كله على أن يغفر الله عز وجل له سرقة أخذها من إنسان ما غفر الله له؛ لأن الله قضى هذا الأمر، وذلك الاستغفار يحسب له في ذنوب أخرى، وهذا ما بينه النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة، وظن أنهم يغفلون عن ذلك كما جاء في الصحيح لما قال عليه الصلاة والسلام للصحابة قال: (ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا: من لا دينار له ولا متاع، قال عليه الصلاة والسلام: المفلس من يأتي يوم القيامة وقد ضرب هذا) ،