قول تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] , ذكر الله أن هذه الشريعة مفروضة على السابقين, ولذلك لمعانٍ جليلة منها تسلية للمؤمنين, كون هذه الشرائع ليست خاصة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم, فأراد الله عز وجل عليهم شدة ليست على غيرهم, بل هذه شريعة من الله جعلها للسالفين, وقد جاء تأويل ذلك عن بعض السلف في قوله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] , أن المراد بذلك أهل الكتاب, جاء هذا عن مجاهد بن جبر كما رواه ابن جرير الطبري من حديث ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أنه قال في قول الله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] , قال: أهل الكتاب. وهل فرض على من قبل أهل الكتاب؟ الذي يظهر والله أعلم أن الله عز وجل شرع ذلك قبله, وهذا هو الأصل فيما يتعلق بأركان الإسلام, ويستثنى من ذلك الحج, وذلك أن الله عز وجل جعل ابتداء رفع قواعده بيد إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام, ثم كانت شرعة لمن جاء بعدهم.
وفي قوله أيضًا: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] , إشارة إلى أهمية هذه الشعيرة, والقاعدة لدينا: أن الأمر إذا عم دل على أهميته, وذلك أن الخطاب إذا توجه إلى الجميع فإن الأمر هام, وإذا توجه إلى فرد بعينه دل على أنه لا يعني البقية, ولهذا الألفاظ العامة التي تأتي بصيغة الأمر آكد في الشريعة من الألفاظ الخاصة, وعند العلماء أن اللفظ العام الذي لم يدخله تخصيص أقوى من اللفظ الذي دخله تخصيص, وهذه الشريعة؛ شريعة الصيام, كتبت على هذه الأمة وعلى الأمم السابقة بلا استثناء على من كان من أهل التكليف.