وفي قوله جل وعلا: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] , الخيط الأبيض من الخيط الأسود المراد بذلك هو سواد الليل وبياض النهار, وفي هذا معنى وهو أن معاني القرآن يرجع فيها إلى كلام السلف, ولا يرجع فيها إلى معاني اللغة المجردة إلا إذا تعذر وقوف عن معناه؛ فمن يقول: أنا أريد أن آخذ معاني القرآن بما أفهمه من لغة العرب دون الرجوع إلى الصحابة وغيرهم؛ لأني عربي نقول له: خذ هذه الآية وفسرها بلغة العرب, أيهم أقرب إلى معنى الخيط الأسود والأبيض, سواد الليل وبياض النهار أو الحبال والعقال؟ الجواب: الحبال والعقال, ولهذا نقول: إن معاني كلام الله عز وجل إنما تفسر أولًا بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بكلام الصحابة والتابعين، ثم بكلام العرب في أشعارهم ونحو ذلك, ولهذا كثير ممن ضل بجهله بكلام السلف في التفسير فحمل بعض المعاني على ما يرى ربما بحسن قصد, ولهذا جاء في التفسير المخالفة للإجماع في كثير من المعاني لكلام الله سبحانه وتعالى؛ لأن بعض المفسرين وإن كان متبحرًا في اللغة فسرها بلغة العرب؛ لأنه ليس لديه أثر في ذلك, فخالف الدليل المتقرر في هذا, وقد جاء في الصحيح من حديث عدي بن حاتم عليه رضوان الله (أنه عمد إلى عقالين: أسود, وأبيض, فوضعهما تحت وسادته, فجعل يخرجهما قبل الفجر ويرى هل يميز بين الأسود والأبيض حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله, فقال: إن ليلك لطويل) , يعني: أن الناس يصلون الفجر وأنت تنظر إلى الأسود والأبيض؛ لأن الإنسان خاصة في غير الليالي المقمرة لا يستطيع أن يميز بين الاثنين إذا كانت أمامه مطروحة حتى يدنيها, فنقول: إن المراد بذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه سواد الليل وبياض النهار) , ولهذا نقول: الذي يجهل المواضعة في زمن السلف في استعمالاتهم للمصطلحات يخطئ