المعنى العام للرباط يدخل فيه انتظار العمل الصالح وترقبه والتربص له، وقد جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله عز وجل به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة إلى الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط) .وهذا داخل في الفضل، إلا أن الرباط في سبيل الله يتباين من جهة فضله بحسب مواضعه، وقد يؤتي الله عز وجل المرابط في حال الإقامة المحتسبة على المسلمين ما يؤتي من كان مرابطًا على الثغور بحسب المواضع التي يرابط عليها ومصالحه المتعدية نفعها إلى المسلمين. وكذلك بمقدار وسعه، فإن الله سبحانه وتعالى يعطي العاجز القاعد ناوي الخير مساويًا لمن كان قادرًا ونافرًا في سبيل الله سبحانه وتعالى؛ لأنه علم صدق هذا فأعطاه أجره وعذره كما أعطى النافر قدره.
وفي قول الله سبحانه وتعالى هنا: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] ، إشارة إلى أن الصبر والمصابرة، والرباط يجب أن يصاحبها التقوى، فإن الإنسان قد يصبر ويصابر ويرابط حمية أو طلبًا للدنيا أو الجاه، يرى مكانه وسمعته ونحو ذلك، فإن الله عز وجل يعطيه من حظه ذلك بمقدار حظه من نيته، فإذا صاحبته التقوى في قلبه؛ فإن الله عز وجل يعطيه الكمال في ذلك بمقدار ما أوجد لله سبحانه وتعالى في قلبه. وبهذا نكون قد ختمنا سورة آل عمران فيما يتعلق بآيات الأحكام منها، ونشرع بإذن الله سبحانه وتعالى بعد ذلك في سورة النساء. أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع وأحسنه، وأن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.