بخلاف ذلك فإن هذا لا يخرجهم عن دائرة العبودية على النحو الذي يتعبد به البشر.
وفي هذه الآية دليل على عظمة الناس عند الله سبحانه وتعالى وأن الله سير الأفلاك لضبط وقتهم لا لضبط ذواتهم، فإن ضبط الذوات وتحصين الإنسان في دمه وفي عرضه أمر منفك، فلما كانت هذه بمنزلتها من كواكب ونحو ذلك جعلها الله عز وجل لضبط وقت الإنسان، دل هذا على عظمة بني آدم, وقد كرمهم الله سبحانه وتعالى بجملة من الكرامات، وإذا كرم الإنسان دل على أن مخالفته عند الله أعظم؛ لأن العقوبة على المكلف لا على غير المكلف، والتكليف يتباين بحسب إدراك الإنسان، فكلما كان الإنسان أظهر في الإدراك وأكثر استيعابًا كان أظهر في العقوبة والتشديد فيها، وقد تقدمت الإشارة معنا إلى مسألة تباين الناس في الخطاب، والخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في هذا.
الحكمة من تخصيص الحج في قوله: (هي مواقيت للناس والحج)
ثم قال: هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189] ، أي: أن الله سبحانه وتعالى جعل الأهلة أيضًا ضبطًا لنسك الناس في حجهم. وهنا سؤال وهو أن الله عز وجل جعل من حكم خلق الأهلة وجعلها على هذا النحو للحج، ومعلوم أن الأهلة تخرج على مدار العام، فجعلها الله عز وجل لضبط ذلك الزمن، وبهذا نعلم أن الإنسان لا يمكن أن يضبط آخر زمنه إلا بضبط أوله، فلا يمكن أن يضبط الإنسان آخر زمنه ومعلوم أن الحج إنما هو في آخر العام - إلا بضبط زمنه على سبيل التدرج، وأن من لم يعتد على ضبط أول الزمن لم يعتد على ضبط آخره، هذا أمر.