الأمر الآخر أن الحج هو أظهر في عدم الإدراك لزمنه من غيره من أركان الإسلام، وليس هذا لفضل الحج على غيره من أركان الإسلام، ويتفق العلماء على أن الصلاة أعظم من جهة الفرض على الناس، ولكن لم يذكر الله عز وجل الصلاة؛ لأن الصلاة إنما تعرف مواقيتها بالشمس، لا تعرف بالقمر، فذكر الله عز وجل هنا الحج؛ لأنه أظهر في معرفة دخوله ولم يذكر الصلاة؛ لأن الصلاة إنما تعرف بالشمس طلوعًا وغروبًا. الأمر الآخر أن مواقيت الفرائض كلما تباعدت كان الإنسان أبعد في إدراكها من جهة العمل، ولهذا تجد الناس يضبطون أحكام الصلاة ولا يضبطون أحكام الحج؛ لأن الحج من جهة الفرض في العمر مرة، فجعل الله عز وجل الصلاة يومية، فالناس يعرفونها ولكن ما كان متباعدًا فإن الناس يجهلون زمنه، وكلما كان الإنسان أقرب إليه وأدوم من جهة العمل كان أكثر، فتجد الناس يعرفون مواقيت الصلوات وكذلك الواجبات والأركان والشروط والسنن في الصلاة؛ لأنها يومية، أكثر من الحولية، كرمضان والحج، والحوليات أظهر من معرفة أحكام المناسك, ولهذا تجد العامة يدركون من أحكام الصيام والزكاة ما لا يدركون من أحكام الحج؛ لأنه في الغالب لا يحجون إلا في العمر مرة، ولما كان ذلك الأمر بعيدًا كان لأهميته أن يتناول بالتأكيد والضبط، ولهذا نقول: إن قول الله عز وجل: هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189] ، وهذا من عطف الخاص على العام، وعطف الخاص على العام لا يعني تفضيل الخاص على غيره من المخصصات التي تدخل في العام، وإنما هو لمزيد تأكيد في ذلك العمل؛ لأنه أقرب إلى الانفلات من غيره، فلما كان الناس ربما يتناسون فريضة الحج لبعدها ولا يعلمون المواسم، خاصة الذين يعيشون في بلدان تبعد عن مواضع الحج، فربما لا يعلم ما هي أشهر الحج، التي جعل الله عز وجل فيها المناسك، فجهل شيئًا من تلك الأحكام، فجعل الله عز وجل الأمر ذلك على سبيل التأكيد.